أهل السُرى جديد إبراهيم الكُوني مايو 25, 2016 – نشر في: الاخبار – وسم:

صدر للروائي الكبير إبراهيم الكُوني حديثاً كتاب جديد بعنوان “أهل السُرى” عن دار سؤال اللبنانية يؤسس فيه رؤيته الفكرية والوجودية لظاهرة أهل السُّرَى أو تلك الملة من البشر المسكونة دوماً بالترحال والتنقل في أقطار الأرض الواسعة وفي رحاب النفس الشاسعة بحثا عن الحقيقة حيث يشتمل الكتاب رؤوى فكرية ومقاربات نظرية وتأملات وجودية تستجلي البواعث النفسية والروحية العميقة التي تجعل فئة قليلة من الناس مسكونة بالترحال الأبدي بين الأمكنة والأزمنة ومحكوم عليها بالإغتراب الدائم ثمناً للبحث عن الحقيقة.
وقد جاء كتاب أهل السُرى في حوالي 320 صفحة توزع بين 26 موضوعاً جاءت على شكل دراسات نظرية ومقالات فكرية وتأملات وجودية وحوارات مع المؤلف إلا أن الرابط بينها هو الحفر المعرفي الاستقصائي العميق لظاهرة السُرى والترحال بإعتبارها ظاهرة وجودية في المقام الأول يمكن في ضوءها مقاربة فهم تاريخ العالم كإنقسام بين مسارين واضحين منفصلين عن بعضهما ومتصارعين في ذات الآن وهما مسار أمة الرحيل الموصوفين بأهل السُرى والمسكونين دوما بالقلق والتوتر الخلاّق الذي يشدهم بإتجاه الأفق البعيد ونحو البعد المفقود وأمة الاستقرار والمقام المتشبثين بالأمكنة والملكية والسلطة والسيطرة، حيث يوضح الكُوني كيف يخلق مسلك السُرى والترحال قيمه وثقافته القائمة على الزهد والتأمل والتخلي حيث لا يمتلك الإنسان ذلك العالم الروحي في البعد المفقود ما لم يزهد ويتخلى عن التعلق بالموجود بينما يخلق الاستقرار والثبات في مكان بعينه قيم الملكية والسلطة والعبودية ونسيان سؤال الكينونة.
يقول الكُوني في افتتاح كتابه أهل السُرى:”كل إنسان في هذا الوجود هوية مزدوجة: كيان مركّب منقسمٌ بالفطرة، يحمل في صلبه بذاراً تشدّه إلى أرضٍ هي بالطبع أمّ؛ وبذاراً أخرى تحثّه على الإنطلاق، وشدّ الرحال إلى الأمام، نحو البُعد المفقود المحتجب خلف الآفاق، توقاً لارتياد الحرية. إنقسام هو ترجمة تراجيدية لمحنة. محنة مبرمة بناموس صفقة. صفقة بين جسد يهفو للركون إلى حضيض المكان، وروح تتطلّع إلى الأفق، وتأبى إلاّ أن تطلب الأب تلبيةً لنداء السماء، تلبيةً لنداء الحريّة.”
وتشكل أطروحات الكُوني في كتابه الجديد “أهل السُرى” مدخلاً نظرياً هاما لفهم عوالمه الروائية حيث أن بؤرة الصراع والتجاذب المركزي في الكثير من رواياته تتولد عن ذلك التنازع الضاري أحياناً بين الإنشداد للمكوث في الواحات الصحراوية حيث الاطمئنان للملكية والذهب والسلطة وبين تلبية النداء البعيد والخفي، نداء الواجب الروحي، الذي يحث مريديه للتخلي عن المقام في المكان والانطلاق في فيافي الصحراء المقفرة رغم قساوة الطبيعة وخطر الهلاك بالظمأ والضياع  بحثا عن واو المفقودة أو الجنة الضائعة التي تتخايل أسطورة وحلم في أذهان مريديها لتتكشف في النهاية أحيانا أن الجنة المفقودة لا وجود لها إلا في العالم الداخلي للإنسان مما يجعل أدب إبراهيم الكوني وإن تمظهر أنه أدب عوالمه الصحراء الكبرى إلا أنه في عمقه أدب وجودي محوره كينونة الإنسان والصحراء ما هي إلا مسرح لأحداث رواياته ورمز ربما للبعد الوجودي المفقود.
ومثلما رسم الروائي إبراهيم الكُوني في عوالمه الروائية أبعاد وآفاق البحث عن كينونة الإنسان من خلال أحداث وحكايات سردية وأفكار وتوجهات إنسانية تجسدها شخصياته الروائية يؤسس الكُوني في كتابه الجديد أهل السُرى الأفكار البدئية التي يمكن انطلاقاً منها مقاربة وفهم الآفاق والأبعاد الوجودية والروحية التي تنشدها رواياته وتشكل دائماً مركز الجذب لأهل السُرى الراحلين دوماً بحثاً عن هذه الأبعاد والآفاق الإنسانية الروحية.